الخطيب الشربيني
375
مغني المحتاج
قيد بالاجتهاد . ثم شرع فيما يشترط لتولية القاضي ، فقال : ( وشرط القاضي ) أي من يولى قاضيا ، ( مسلم ) أي إسلام وكذا الباقي . وهذا الشرط داخل في اشتراط العدالة ، ولهذا لم يذكره في الروضة ، فلا يولي كافر على مسلمين لقوله تعالى : * ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) * ولا سبيل أعظم من القضاء ، ولا على كفار ، لأن القصد به فصل الأحكام والكافر جاهل بها . وأما جريان العادة بنصب حاكم من أهل الذمة عليهم ، فقال الماوردي والروياني : إنما هي رياسة وزعامة لا تقليد حكم وقضاء ، ولا يلزمهم حكمه بإلزامه بل بالتزامهم ، ولا يلزمون بالتحاكم عنده . ( مكلف ) أي بالغ عاقل ، فلا يولى صبي ولا مجنون وإن تقطع جنونه لنقصهما . تنبيه : قال الماوردي : ولا يكفي العقل الذي يتعلق به التكليف حتى يكون صحيح الفكر جيد الفطنة بعيدا عن السهو والغفلة يتوصل بذكائه إلى وضوح المشكل وحل المعضل . ( حر ) فلا يولى رقيق كله أو بعضه لنقصه كالشهادة ، أو ( ذكر ) فلا تولى امرأة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة رواه البخاري ، ولأن النساء ناقصات عقل ودين . تنبيه : شمل إطلاق المصنف منعها ولو فيما تقبل شهادتها فيه وهو كذلك ، وفيه إشارة إلى الرد على أبي حنيفة حيث جوزه حينئذ ، وعلى ابن جرير الطبري حيث جوزه مطلقا . والخنثى المشكل في ذلك كالمرأة كما قاله الماوردي وغيره ، فلو ولي ثم بان رجلا لم يصح توليته كما قاله الماوردي ، وصرح به في البحر ، وقال : إنه المذهب لا يحتاج إلى تولية جديدة . أما إذا بانت ذكورته قبل التولية فإنها تصح . ( عدل ) وسيأتي في الشهادات بيانه ، فلا يولى فاسق لعدم الوثوق بقوله ولأنه ممنوع من النظر في مال ولده مع وفور شفقته ، فنظره في أمر العامة أولى بالمنع . تنبيه : يؤخذ مما سيأتي في الشهادات إن شاء الله تعالى عن الصيمري أنه يشترط في الشاهد أن لا يكون محجورا عليه بسفه ، وأن يكون القاضي كذلك ، وبه صرح البلقيني ، لأن مقتضى القضاء التصرف على المحجور عليهم . قال : وأما الاكراه فإنه مانع من صحة القبول إلا فيمن تعين عليه . ولا يولى مبتدع أيضا ردت شهادته ، ولا من ينكر الاجماع أو أخبار الآحاد أو الاجتهاد المتضمن إنكاره إنكار القياس . ( سميع ) ولو بصياح في أذنه ، فلا يولى أصم لا يسمع أيضا فإنه لا يفرق بين إقرار وإنكار . ( بصير ) فلا يولى أعمى ولا من يرى الأشباح ولا يعرف الصور لأنه لا يعرف الطالب من المطلوب ، فإن كان يعرف الصور إذا قربت منه صح . وخرج بالأعمى الأعور ، فإنه يصح توليته ، وكذا من يبصر نهارا فقط دون من يبصر ليلا فقط ما قال الأذرعي . فإن قيل : قد استخلف النبي ( ص ) ابن أم مكتوم على المدينة وهو أعمى ، ولذلك قال مالك بصحة ولاية الأعمى . أجيب بأنه إنما استخلفه في إمامة الصلاة دون الحكم . تنبيه : لو سمع القاضي البينة ثم عمي قضى في تلك الواقعة على الأصح . واستثني أيضا لو نزل أهل قلعة على حكم أعمى فإنه يجوز كما هو مذكور في محله . ( ناطق ) فلا يولى أخرس وإن فهمت إشارته ، لعجزه عن تنفيذ الأحكام . ( كاف ) للقيام بأمور القضاء ، فلا يولى مغفل ومختل نظر بكبر أو مرض ونحو ذلك . وفسر بعضهم الكفاية اللائقة بالقضاء بأن يكون فيه قوة على تنفيذ الحق بنفسه ، فلا يكون ضعيف النفس جبانا فإن كثيرا من الناس يكون عالما دينا ونفسه ضعيفة عن التنفيذ والالزام والسطوة فيطمع في جانبه بسبب ذلك ، ولذلك قال ابن عبد السلام : وللولاية شرطان العلم بأحكامها والقدرة على تحصيل مصالحها وترك مفاسدها ، فإذا فقد الشرطان حرمت الولاية ، قال ( ص ) : يا أبا ذر إني أراك ضعيفا ، لا تتأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم . وجعل بعضهم هذا الشرط خارجا بقوله : ( مجتهد ) فلا يولى الجاهل بالأحكام الشرعية ولا المقلد ، وهو من حفظ مذهب صاحبه لكنه غير عارف بغوامضه وقاصر عن تقرير أدلته لأنه لا يصلح للفتوى فللقضاء أولى . تنبيه : كان ينبغي للمصنف أن يقول : إسلام وتكليف وكذا ما بعدهما ، فيأتي بالمصدر كما قدرته في كلامه ، لأن